
وتمتد أيام الشارقة التراثية في مدينة خورفكان يوماً آخر، لتدخل يومها السابع كما دخلته أول يوم بكل البهجة والفرح، بإبداعات جديدة وبحث جديد والسير في عمق التاريخ وعبق التراث، ويمتد البحث من المحلية إلى التاريخية، ومن الفن الشعبي إلى زفانة الدعون، إلى جماليات الرقصات الشعبية، إلى سلاسة التنظيم والتنسيق، والابتسامات تشرق على الوجوه من المنظمين والزوار، والسعادة الغامرة عنوان النجاح ودليل عليه.
تواصلت فعاليات اليوم السابع لأيام الشارقة التراثية بالمنطقة التراثية في مدينة خورفكان، بعروض فنية شعبية متنوعة ولافتة، إذ قدمت فرقة فرسان المقابيل الحربية لوحات فنية غنائية تراثية، كما تم تقديم عروض فلكلورية شعبية للفن الشامي، على مسرح المنطقة التراثية، وقدم معهد الشارقة للتراث فرع خورفكان، ونادي خورفكان الثقافي الرياضي، مسابقات تراثية ووطنية ورياضية. وكما هو الحال في الأيام السابقة شهدت الفعاليات إقبالاً جماهيرياً لافتاً في ظل الالتزام التام بمختلف الإجراءات الاحترازية والوقائية من أجل صحة وسلامة الجميع.
ندوة حول الفنون الشعبية
ضمن الجلسات الثقافية التي ينظمها معهد الشارقة للتراث ضمن الأيام، جاءت ندوة بعنوان (الفنون الشعبية)، قدمها رئيس جمعية خورفكان للثقافة والفنون الشعبية والتراث فيصل المريخي، والباحثة والكاتبة وعضو مجلس إدارة هيئة الفجيرة للسياحة والآثار آمنة الظنحاني، وذلك بحضور رئيس المجلس البلدي بمدينة خورفكان، الدكتور راشد النقبي، وأدارت الجلسة، الإعلامية صفية النقبي.
وقال فيصل المريخي:"بتنا نرى الفنون الشعبية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وكأنها تتلاشى، لأن الجيل الجديد لم يهتم بها، لكن الدولة والمختصين قاموا بتوثيق هذه الفنون من خلال مثل هذه المهرجانات والاحتفالات والفعاليات، وهذا أسعدنا لأنه ساهم في إحياء هذه الفنون بما تمثله، وبما يسهم في الحفاظ على العادات والتقاليد".
وأشار إلى أن هناك تنوعاً كبيراً في الفنون الشعبية في الدولة، وذلك بسبب تنوع تضاريس الدولة، سواء البحرية أو الصحراوية أو الجبلية، مع اختلاف بعض العادات، ولهذا تنوعت الفنون، وقد تختلف من قبيلة إلى أخرى من حيث الأداء واللحن والقصائد، وهذا التنوع أثرى المخزون الثقافي التراثي، علاوة على الفنون الأخرى، مثل العيالة والحربية و(الويلية) "الدان"، والهبان والليوة وفنون العازي والندبة والرواح والتغرودة و"الونة"، مع اختلاف القصائد من بحر إلى بحر، وبعضها على الشعر النبطي، وبعضها على الزهيري، وبعضها على الرباعي أو "المربع".
ولفت إلى أن الندوة أوصلت رسالة إلى الجيل الجديد، فهذه الندوات والمهرجانات محطة للتعليم يتعرف منها الجيل الجديد على الموروث من خلال إحياء هذه العادات، وهذا الموروث، وذلك عبر الاستماع والمشاركة والتعايش معها، ومعرفة العادات وتاريخ الآباء والأجداد، وهذا تشكر عليه الدولة في كل مهرجاناتها وبرامجها، لأن غرس هذا التراث في نفوس وعقول الشباب يعني أنك زرعت ما يجعلهم يواصلون العطاء من أجله للحفاظ عليه من التلاشي.
من جانبها، تحدثت آمنة الظنحاني حول عدة محاور، من بينها: مفهوم الفنون الشعبية، وما هو أثر الموروث الشعبي على الشباب، وكيف يمكن أن نحافظ على هذا الموروث مع التطور ومع الحداثة، وكذلك حول الحرف النسائية. وتساءلت حول إمكانية وجود أفكار مستقبلية للمحافظة على الموروث الشعبي للأجيال القادمة.
وأشارت إلى أن هذا الجيل الجديد يحتاج إلى تدريب على بعض الأعمال والحرف النسائية، كما تحدثت حول مفهوم الحرف اليدوية وأعمال السعف والخياطة والتطريز، وقالت: نلاحظ أن دور المرأة لم يختلف حالياً عما كان عليه في السابق، فهي ما تزال سيدة الإدارة في المنزل، وأمورها المالية معها من خلال إدارتها لأعمالها اليدوية كأعمال "التلي" والطبخ وغيرها، بالإضافة إلى وجود جهات خيرية تبنت هذه المرأة من حيث مساعدتها بالميزانية أو توفير المكان والدعم من خلال ما يعرف بالأسر المنتجة، فأصبحت المرأة منتجة ومبدعة في الموروث الشعبي.
"الجاحظ" من زاوية فولكلورية في ندوة أكاديمية
ضمن برنامج أيام الشارقة التراثية في خورفكان، نظمت اللجنة الأكاديمية ندوة حوارية أكاديمية بعنوان "الجاحظ وجهوده الفولكلورية"، أقيمت في المنطقة التراثية في مدينة خورفكان، وضمت كلاً من الأستاذ الدكتور سعيد اليقطين، الباحث في السرديات، والأستاذ الدكتور محمد الجويلي، من جامعة منوبة التونسية، وعضو اللجنة العلمية لمجلة الموروث الصادرة عن معهد الشارقة للتراث، وأدارها الدكتور الناقد والدكتور صالح هويدي، عضو اللجنة الأكاديمية.
تحدث الدكتور اليقطين عن الجاحظ كموسوعة اجتماعية ثقافية عربية، وأنه لا بد من إعادة قراتها قراءة جديدة والبحث فيها بحثا مختلفا، وقال إننا تعاملنا مع الجاحظ كباحث مبدع، لكننا لم نتعامل مع كل أعماله، ودعا إلى إعادة التفكير فيه من خلال الكشف عن طريقة إعادة تصنيف أعماله لتكون الموسوعة "الجاحظية" التي نجد فيها كل أعماله من خلال مواد تظهر لنا قيمة هذا الرجل وخصوصيته في مجال الثقافة العربية الإسلامية.
ومن جانبه، تحدث الدكتور الجويلي عن الجاحظ، وعن كوننا مقصرين كعرب مع هذه الشخصية، مذكراً أن المستعرب الفرنسي شارل بيلا، قال "إن كل عظماء ومفكري الإنسانية الكبار في العصر الحديث يذكروننا بالجاحظ"، فنحن نعرف الجاحظ من زاوية أنه أديب ولغوي ومبدع، وأنه معتزلي، ومجدد في إطار الفكر العربي، منذ أكثر من ألف عام، لكن لم نهتم به باعتباره رائداً للفولكلور الشعبي، وفي كتاباته هناك مادة تراثية مهمة جداً سواء ما يتعلق بالتراث المادي أو اللامادي، وهذا الإهمال وقع من قبل الباحثين سواء من الغرب أو من العالم العربي.
وأعرب عن اعتقاده أنه حان الوقت لنهتم بالجاحظ من هذه الزاوية، باعتباره رائداً في الثقافة الشعبية والتراث في الحضارة العربية الإسلامية في كل المدونات الخاصة به. وأشار الى أن كتاب "البخلاء" يعتبر معجماً بحد ذاته للفولكلور، كما أشار الى أنه ينوي إصدار كتاب بهذا الصدد.
من جانبه قال الدكتور صالح هويدي إن الأمسية كانت مخصصة عن الجاحظ في البحث في ثقافته والجهود الأنثروبولوجية، وقد شارك في الندوة الدكتور سعيد اليقطين من المغرب، والدكتور محمد الجويلي من تونس، وكلاهما سعيا إلى إعادة قراءة الجاحظ قراءة حيوية وفكرية، وسلطا الضوء على موسوعية الجاحظ والمنطلقات التي سبق فيها كتاب عصره وما تركه من أثر، وانتهيا معاً إلى نتائج مهمة وأسئلة كثيرة، بالإضافة إلى توصيتهما بأن يقوم معهد الشارقة للتراث من خلال الإدارة الأكاديمية التي اختارت هذا الموضوع الحيوي، بتكليف الطلبة بإعداد بحوث وتصنيفات لعالم الجاحظ، وما ضمه عالمه من موضوعات، ليكون بداية لدراسات لاحقة من قبل الباحثين، للغنى الكبير الذي يتميز به أدب الجاحظ مبنى ومعنى، وأن يأخذ الاهتمام الذي يستحقه.
صناعة الدعن حاضرة في أيام الشارقة التراثية في خورفكان
يقول الوالد محمد صالح النقبي، الذي يتقن مهنة الزفانة وصناعة الدعن منذ القدم: إن زفانة الدعن مهنة نشأ عليها الآباء والأجداد، وهي الهندسة المعمارية، وتعتمد في الأساس على سعف النخيل من خلال تجميعه وقصه بطريقة "الشراطة"، ثم تجميعه في مكان ما من أجل قص الشوك وتنظيفه.
ويضيف: بعد ذلك يتم نقل السعف إلى مكان الصناعة ويجتمع الأهالي لإعداد (المزافن) من خلال حبال من ليف النخيل ونقعها بالماء لتصبح قوية، مشيراً إلى المراحل التي يتم فيها إعداد الدعون.
وتابع: سعف النخيل هذا تتم منه صناعة بيوت العريش والخيام (الكرين)، وعزب الماشية والحصر والخصف والجربان التي تستخدم في تخزين التمور، وكذلك صناعة باب العريش وباب (الزفارة) الذي كان يصنع من الجريد الخالي من السعف.
ولفت إلى أن صناعة (الدعون) مرتبطة بفصل الصيف ويعمل بها عدة رجال وتتم فيها جمع سعف النخيل وربطه بالحبال ليصبح قطعة واحدة طولها تقريباً متر ونصف المتر، وربما أطول.
وأضاف: كان يعمل بهذه المهنة أهل الساحل والمزارعين، لافتاً إلى أن الدعن يتكون من 170 خوصة، تستعمل لعدة أغراض ولبعض الصناعات المنزلية.
وأشار أن الدعون تدخل في صناعة أسقف المنازل إلى جانب الحصر و (السميم) ويصب فوقها الطين لحماية السقف من الأمطار، كما تستخدم الدعون في صناعة "منامة"، وهي عبارة عن سرير مرتفع عن الأرض، وكذلك تستخدم كمسطح لفرش وتجفيف التمر عليه.